قصتي مع ميمة في الطوبيس

 

                   *قصتي مع ميمة في الطوبيس*



النهار كان سخون بزاف. شهر 7 فـ أكادير والشمس ضاربة فـ الراس. أنا خارج من الخدمة عيان ومهرس. خدام فـ سوبرمارشي من 8 للـ 6 وكنشد الطوبيس ديال 6 ونص باش نوصل للدار.


ركبت وجلست فـ الكرسي اللي حدا الشرجم. الطوبيس عامر كالعادة. ريحة العرق والغبرة وصداع ديال الناس اللي كيهدرو فـ التيليفون.


فـ المحطة اللي من بعد ركبات ميمة. عندها تقريبا 70 عام. لابسة جلابة بيضا وكتافها هابطين من الثقل. شادة بيديها جوج سواكن ديال الخضرة وواحد الكيس بلاستيك فيه الخبز. 


بغات تجلس وما لقاتش. كلشي عامر. واحد الشاب لابس كاسك كان غارق فـ التيك توك وما شافهاش. 


وقف قلبي. ما عرفتش علاش تحركت. يمكن تذكرت جدتي الله يرحمها. 

وقفت وقلت ليها: "ميمة اجي جلسي هنا"

هزات راسها وشافتني بعينيها اللي فيهم التعب. قالت: "الله يرحم الوالدين ولدي"

جلست وتهزات الساك ديالها حطاتو فوق رجليها. وبدات كتلهت. 


الطوبيس تحرك. السكون اللي كان بيناتنا قطعو صوتها: "منين جيتي ولدي؟"

قلت: "من الخدمة ميمة. ونتيا منين؟"

ردات: "من السوق. مشيت نجيب الخضرة للدار. ولادي كلهم خدامين وما عندهمش الوقت"


هضرنا. وهنا بدات قصتي معاها.


سميتها الحاجة فاطمة. ساكنة فـ الحي ديالي ولكن فـ زنقة بعيدة شوية. راجلها توفى من 10 سنين وولادها 3 مزوجين وكل واحد فـ جهة. هي كتبقى بوحدها فـ الدار.


قالت ليا وهي كتضحك: "الوحدة كتاكل الراس. وليت كنخرج كل نهار غير باش نشوف البشر"

قلت ليها: "ولاش ما تمشيش عند ولادك؟"

تنهدات وقالت: "مشيت. ولكن كل واحد عندو وليداتو ومشاكلو. ما بغيتش نكون ثقيلة عليهم"


فـ ديك اللحظة حسيت بشي حاجة غريبة. أنا اللي ديما كنقول "ما عندي مع من نهضر" طلع كاين اللي وحدتو أكبر.


وصلنا لمحطتي. وقفت باش ننزل. هي شدات يدي وقالت: "شكرا ولدي على الكرسي. الله يعطيك ما تتمنى"

ابتسمت ونزلت. ومشيت فـ حالي.


ولكن داك النهار بقا فـ بالي. 


من بعد أسبوع ركبت فـ نفس الوقت. وسبحان الله لقيتها. جالسة فـ نفس البلاصة وكتقلب. ملي شافتني وجهها ضوا.

قالت: "الله! نتا هو ولد الخير"

جلست حداها. وعطاتني حبة مشماش من الساك ديالها: "خود كول. ديال الدار"


ومن ديك النهار ولينا كنتلاقاو. ماشي بموعد. غير صدفة ديال الطوبيس. 


عرفت منها بزاف. أنها كانت معلمة قبل ما تخرج للتقاعد. كتقرا وكتكتب مزيان. عندها حفيدة كتقرا فـ الباك وما كتفهمش فـ الفرنسية. 

أنا كنت نقرا الفرنسية مزيان فـ التكوين. قلت ليها: "ميمة إلا بغيتي نعاون حفيدتك فـ المراجعة مرحبا"

فرحات وقالت: "الله يكبر بيك"


ولينا كنتفاهمو. كل ثلاثاء وخميس من 7 للـ 8 كنمشي عندها للدار. جلسة فـ الصالون الصغير ديالها، كاس أتاي بالنعناع، وأنا كنشرح لحفيدتها سارة دروس الفرنسية. 


الدار ديالها بسيطة ولكن نقية. فيها ريحة البخور والخبز. وكل مرة كنمشي كنلقى شي حاجة واجدالي. مرة سفنز، مرة حرشة، مرة غريبة.


واحد النهار سارة قالت ليا: "خالي يوسف، جداتي كتبغيك بزاف. كتقول عليك بحال ولدها"

تحرجت وضحكت. ولكن من الداخل فرحت.


العلاقة ديالنا كبرات. ولات ميمة كتعيط ليا إلا مرضات: "يوسف جيب ليا الدواء من الفارماسي". وكنمشي بلا ما نفكر.

وأنا وليت كنمشي عندها ملي كنكون مضايق. كتهضر معايا بالعقل و كتعطيني حكمة من تجربتها. 


"ولدي، الدنيا ما فيها غير الصبر. اليوم ضيق وغدا فرج" كتقولها ليا ديما.


فـ رمضان اللي فات عرضات عليا نفطر معاهم. مشيت. لقيت ولادها كاملين وحفادها. عرفاتني عليهم وقالت: "هادا يوسف. ولد الناس اللي الله صيفطو ليا فـ الطوبيس"


حسيت بالدموع غاديين يخرجو. عمري ما حسيت بالقيمة بحال داك النهار.


دابا داز عام ونص على ديك الصدفة. سارة نجحات فـ الباك وجابت 15 فـ الفرنسية. وعطاتني الهدية ديالها: كتاب كاتبة فيه "الشكر للأستاذ يوسف"


وميمة؟ ولات بحال أمي الثانية. كنمشي نشوفها كل سيمانة حتى إلا ما كانش مراجعة. كنجلسو فـ السطح وكنشربو أتاي وكنهدرو على والو.


الناس كيسولوني: "علاش كتضيع وقتك مع عجوزة؟"

كنجاوبهم: "حيت فـ الطوبيس ديك النهار تعلمت أن الخير الصغير كيرجع كبير. وأن العائلة ماشي ضروري تكون بالدم"


ميمة علماتني الرضا. وعلماتني أن البركة كتجي من الباب اللي ما متوقعوش.


اليوم وأنا كنركب الطوبيس كنقلب بعينيا. إلا شفت شي ميمة واقفة كنوقف ونعطيها بلاصتي. حيث عرفت الإحساس.


قصتي مع ميمة فـ الطوبيس ما كانتش غير صدفة. كانت درس. درس فـ الإنسانية.


                                 *النهاية*

تعليقات